الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

35

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

جمعا من الناس قد اتبعوا السحرة وآمنوا بدين موسى . ولذلك لم ير فرعون بدا إلا أن يجمع كيانه ويلملم ما تبقى من هيبته وسلطانه عن طريق الصراخ والتهديد والوعيد الغليظ ، فتوجه نحو السحرة وقال آمنتم له قبل أن آذن لكم . إن هذا الجبار المستكبر لم يكن يدعي الحكومة على أجسام وأرواح الناس وحسب ، بل كان يريد أن يقول : إن قلوبكم تحت تصرفي أيضا ، ويجب على أحدكم إذا أراد أن يصمم على أمر ما أن يستأذنني ، وهذا هو العمل الذي يؤكد عليه كل الفراعنة على امتداد العصور . فالبعض - كفرعون مصر - يجريها على لسانه حمقا عند اضطرابه وقلقه ، والبعض إحتفظ بهذا الحق لنفسه ويبينه بصورة غير مباشرة عن طريق وسائل الإعلام ، وطوابير العملاء ، ويعتقد بأن الناس يجب أن لا يعطوا الاستقلالية في التفكير ، بل إنه في بعض الأحيان قد يسلب الناس الحرية باسم حرية التفكير . وعلى كل حال ، فإن فرعون لم يكتف بذلك ، بل إنه ألصق بالساحرين التهمة وقال : إنه لكبيركم الذي علمكم السحر . لا شك أن فرعون كان على يقين ومعرفة تامة بكذب كلامه وبطلانه ، ولم يكن بالإمكان أن تحدث مثل هذه المؤامرة في جميع أنحاء مصر ويجهل جنوده وشرطته بالأمر ، وكان فرعون قد ربى موسى ( عليه السلام ) في أحضانه ، وغيبته عن مصر كانت من المسلمات لديه ، فلو كان كبير سحرة مصر لكان معروفا بذلك في كل مكان ، ولا يمكن أن يخفى أمره . إلا أنا نعلم أن الطغاة لا يتورعون عن إلصاق أي كذب وتهمة بخصومهم عندما يرون مركزهم الذي حصلوا عليه بغير حق يتعرض للخطر . ثم إنه لم يكتف بهذا ، بل إنه هدد السحرة أشد تهديد ، التهديد بالموت ، فقال : فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا